جانب من احتفالية الحزب الشيوعي اللبناني بعيده الـ90

ماذا بعد مؤتمرات الأحزاب العلمانية؟

كتب : غسان ناصر*

شهدنا في الفترة القريبة أمراً يدعو إلى التفاؤل، وهو انعقاد أكثر من مؤتمر لأحزاب وتيارات سياسيّة بينها «الحزب الشيوعي اللبناني» و«الحزب السوري القومي الاجتماعي» و«حركة الشعب»، إضافة إلى أحزاب أخرى.

غير أني ذكرت هذه التيارات والأحزاب على وجه الخصوص، كونها أحزاباً وتيارات علمانية وليست طائفية، نحن في أمسّ الحاجة إليها في هذا الوقت تحديداً، لنواجه الفوضى العارمة من تشدّد وطائفية مستشرية. وفي ظلّ الأوضاع التي تتّسم بالمذهبية والطائفية على صعيد المنطقة ككلّ (رغم أن الوجه الطائفي ليس هو الوجه الحقيقي الكامل للصراع)، شكّل انعقاد تلك المؤتمرات وإجراء تلك الانتخابات ضوءاً يُؤمل أن يُستَكمل، من خلال نشر الوعي اللامذهبي واللاطائفي وسط الظلمة المحدقة التي نعيشها ويعيشها محيطنا.

سأقتصر، خلال مقالي هذا، على الحديث فقط عن مؤتمر «الحزب الشيوعي اللبناني» ونتائجه، كونني انتَميْت إلى هذا الحزب لفترة طويلة، وما زلت أحمل المبادئ التي يجسّدها. فلا يمكننا إلّا أن نبدي ملاحظاتنا على هذا الحدث المهمّ، خاصة أنّه يمثّل انعقاد مؤتمر أحد أهم الأحزاب العلمانية في البلد بعد انقطاع لفترة طويلة جداً. إنه فعلاً إنجاز. وستكون ملاحظاتي على شكل مقترحات أرى أنها ستعزّز لو طُبّقت، من دور الحزب في الفترة القريبة المدى، والبعيدة كذلك.

شكّلت نتائج المؤتمر الأخير إنجازاً كبيراً في مسيرة الحزب المتعثّرة منذ فترة طويلة، إذ ان تكريس مبدأ تبادل السلطة وتداولها في السلطات التشريعية كما هو الحال في السلطات الأخرى، يجب أن يكون مكرّساً وممارساً حسب أنظمة وقوانين الهيئة المعنية (وفقاً لدساتير وقوانين الهيئة المعنية: أحزاب وغيرها…). تقييم المؤتمر ونتائجه بإيجابية لا تتناقض مع التطرّق إلى ملاحظات سريعة، أرى أنها استكمال للنتيجة التي حصلت. فإنجاز «الشيوعي» يبقى ناقصاً ودون جدوى في حال اقتصر الأمر فقط على تغيير القيادة ــ على أهميته ــ وفي حال لم يقترن بطرح السؤال التالي: ماذا يريد «الحزب الشيوعي اللبناني»؟

ما تتطلّبه هذه المرحلة:

أولاً، بحسب ما كنت أتابع، فإن مراحل التحضير للمؤتمر غلب عليها الطابع التنظيمي الانتخابي البحت، وهذا من حقّ القيادة التي استخدمت الأساليب الديموقراطية في فرض ميزان القوى، الذي أتاح لها الوصول إلى هذه النتائج، عن طريق الانتخاب الديموقراطي العددي. لكن من المؤسف أيضاً أن هذا لم يتمّ على أساس برنامج سياسي معيّن. فإنّ ما يشهده لبنان حالياً ـ مع العلم أنه جزء لا يتجزّأ مما يشهده العالم العربي ــ يتطلّب طرح أسئلة حول كيفية التعاطي أو الإجابة عن التعاطي مع الحروب والصراعات وغيرها، والجهة المعنية أكثر من غيرها في الإجابة على هذه الأسئلة هي القوى الوطنية وتلك الحريصة على بناء دولة في لبنان، وغير المنعزلة عن الصراع في المنطقة. لا بدّ لهذا الأمر ان يحصل، بدلاً من الالتهاء بقضايا غير فعلية. ماذا نريد إذاً؟… ببساطة شديدة، نريد حزباً من طراز جديد وليس القصد بذلك القطع بماضي الحزب المجيد، بكل إنجازاته التي نفتخر بها ويفتخر بها كل الشيوعيين. إنما نقول ذلك لأنّ المرحلة تتطلّب تفكيراً جديداً وممارسة جديدة، نتيجة ما يحصل في لبنان وفي العالم العربي.

غياب الرؤى الجديدة

ثانياً، لقد أثبتت التجارب أن التشبّث ببعض المفاهيم يؤدي باستمرار إلى تراجع دور الحزب وفعاليته، خصوصاً إذا تخاذل في طرح رؤية جديدة تستقطب الأجيال الشابة وتحاول انتشالها من المستنقعات الطائفية. ويمكن لذلك أن يحصل عن طريق طرح المبادرات والمشاركة فيها، كما شهدنا مشاركة الحزب في التحرّكات التي حصلت في السنوات الأخيرة. لا بدّ لنا أن نأخذ العِبَر من فشل هذه النضالات (الحراكات) للوصول إلى أيّ من أهدافها. واستخدام مصطلح «فشل» في هذه الحالة ليس في سبيل جلد النفس، وإنما لعدم دفع الناس إلى الإحباط، بعد فشل أكثر من تجربة في الوصول إلى مرادها. وهنا نذكر تجربة إسقاط النظام الطائفي، والتظاهرات المطالبة بإقرار سلسلة الرتب والرواتب، والحراك المدني الأخير من أجل حلّ أزمة النفايات، لنصل إلى الموضوع الذي هو الأهم حالياً، وهو إيجاد نسبة قوى تفرض نظاماً انتخابياً يعبّر بشكل أو بآخر عن تطلّعات الأجيال الجديدة.

كيف سنواجه الأخطار؟… على مَن نُعَوّل؟

ثالثاً، إنّ مواجهة الأخطار المحدقة في أكثر من بلد عربي، تفرض على الوطنيين التفكير بكيفية مواجهة القوى الظلامية، بكافة أشكالها. ومن غير المسموح أن توجد أي عوائق مادية أو سياسية للوصول إلى هذا الهدف. ثمة شباب وشابات انخرطوا بفعالية في كافة التحرّكات في السنوات الأخيرة، ومسألة تأطريهم يجب أن تكون موضع اهتمام قيادة الحزب. وهذا لا يحصل فقط من خلال تجميع الشيوعيين القدامى (على أهمية هذا الموضوع)، فهؤلاء أصبح متوسّط أعمارهم مرتفعاً جداً. وهنا، لا أعني الاستغناء عنهم وإنما الاستفادة من خبراتهم. التعويل، إذاً، يجب ان يكون على جيل جديد يفهم بلغة غير تلك التي تعلّمناها. من هنا، لا بدّ من فسح المجال لتحمل الفئات الشابة مسؤولياتها الفعلية، كي تستطيع أن تبني تجربتها بنفسها، من دون الخوف من امتلاك الخبرة المتوفّرة لدى الآخرين. فأشكال الصراع، كما عرفناه، ربّما يجب أن تتغيّر، أي باختصار أدعو إلى حزب شيوعي جديد بالفكر والممارسة والتنظيم وأساليب العمل، مع الحفاظ على تراثنا المجيد الذي نفتخر به.

أي أحزاب تنجح اليوم؟

إذا نظرنا إلى كافة الأحزاب اليسارية وأحزاب التغيير في العالم كيف تقدّمت، نرى أن تلك الأحزاب التي مارست النمط الجديد في أحزابها فقط، استطاعت ان تحقّق إنجازات. وتنظيم هذه الفئات الواسعة بالمبدأ، يجب أن يخضع لمعايير الحدّ الأدنى من الكفاحية والنضالية، إضافة إلى المعرفة ببيئة الأحزاب التي يتم الانخراط فيها. فهل باتت الأحزاب مهتمة بالتجميع فقط في سبيل التجميع؟… على سبيل راكبون وراكبات في القطار. كما أنه من المنطقي ألا يتسلّل إلى صفوف الحزب، على أي مستوى كان، أشخاص ربما يكون لهم ارتباطات مع جهات أو شركات، بهذا الشكل أو ذاك، وهي شركات يملكها أصحاب مرّوا في يوم من الأيام على هذا الحزب، وخرجوا منه ليجمعوا الثروات. هؤلاء، أصبح عدوّهم الرئيسي ــ من خلال حقدهم ــ ليس اسرائيل إنما كلّ من يقاوم اسرائيل. وعدد أولئك الأشخاص ليس بالقليل. وربما، من حقهم أن يصبحوا من أصحاب الأموال والثروات، ولكن المؤسف هو اعتقادهم أنّ تكملة ذلك (جمع الأموال) يكون بعدائهم لكلّ ما هو وطني وتقدّمي. وبعض ثروات هؤلاء مشبوهة بعلاقاتها، وخصوصاً تلك التي جُمِعَت في الخارج، فبلدنا مليء وغني بكل شيء… بالمناضلين الشرفاء، وبأصحاب الكفاءات العالية، وأيضاً… لا ينقصه عملاء!!

* عضو سابق في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني
المصدر : الأخبار اللنانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons