مارك مجدي

تحطيم العقل

كتب : مارك مجدي

في كتاب “تحطيم العقل” قام الفيلسف المجري جورج لوكاتش، بتحليل النزعات المضادة للعقل، التي أخذت تبرز بوضوح في ألمانيا وأوروبا منذ مطلع القرن الماضي. ورصد مختلف الحركات الفكرية التي ترى في العقلانية عائقا أمام تحقيق أهدافها. واستطاع لوكاتش أن يكشف ما وراء هذه الأتجاهات اللاعقلانية، تحولا في البنية الاجتماعية وتغيرا في تركيب وسلوك البرجوازية الألمانية عله وجه التحديد، حيث يري أن ألمانيا  قد تحولت من دولة متأخرة عن التطور الرأسمالي الذي سبقتة إليها فرنسا وإنجلترا الى دولة في المقدمة، “عاما بعد عام تكف ألمانيا عن أن تكون بلدا متأخرا من الوجهة الاقتصادية. أكثر من ذلك في الطور الإمبريالي، الرأسمالية الألمانية تتخطى الإنجليزية، التي كانت الى ذلك الحين الأولي في أوروبا. ألمانيا تصير الي جانب الولايات المتحدة البلد الأعلى تطورا، الأكثر نموذجية في تطور الرأسمالية. ولكن في الوقت نفسة وكما رأينا، تبقى بنيتها الاجتماعية والسياسية متأخرة في التطور الديمقراطي”.

ازاء هذا التناقض بين البنية الاجتماعية والسياسية المتأخرة لألمانيا وبين البنية الاقتصادية المتقدمة، كان هناك احتمالان اثنان كما يقول لوكاتش الأول هو المطالبة بأن تكون البنية الاجتماعية والسياسية لألمانيا ملائمة لدرجة التطور الاقتصادي. وهذا المطلب ممكن أن يرتدي طابعا ثوريا، يمكن أن يعطي نفسة مهمة أن ينجز أخيرا الثورة الوطنية الديموقراطية في ألمانيا. وهي مسألة يضعها إنجلز للاشتراكية الديمقراطية في نقده لبرنامج ارفورت. الثاني هو، من وجهة نظر إمبريالية ألمانية حديثة حقا  ومتلاحمة، تكييف البنية الفوقية السياسية مع الأشكال المختبرة للبرلمانية الغربية التي كانت لا تزال، إزاء ألمانيا، صالحة وفعالة. هذه العلاقة التناقضية بين الاقتصاد والسياسة نمت بشكل حاد الايدولوجيا اللاعقلانية. وقد اعتبر المنظرون اللاعقلانيون، أن التطور الخاص  بألمانيا ذو فضيلة أعلى لأن الاحتفاظ بأشكال حكم قديمة (لاعقلية) لا يسمح على حد قولهم بحل مسائل متنوعة، ثقافية وأخلاقية بشكل خاص، يبقى أمامها بلا جواب الفكر الاجتماعي في الغرب العقلاني. ويمكن القول بشكل عام أن المصير المأساوي للشعب الألماني يقوم في كونة دخل متاخرا في التطور البرجوازي الحديث. إن ألمانيا كما قال ماركس “عرفت آلام هذا التطور دون أن تشاطر لذاته، ومسراته الجزئية”. والى هذا أضاف متنبئا “إن ألمانيا ستجد نفسها ذات يوم في مستوي انحطاط أوروبا قبل أن تكون يوم في مستوى الانعتاق الأوروبي”.

وبالفعل تحقق هذا المصير بظهور الحركة الفاشية في ألمانيا وصعودها الى السلطة ثم قيامها بشن حرب كونية لتحقيق أوهام عرقية نازية. لقد أشار لوكاتش خلال دراستة للمظاهر اللاعقلانية في الفكر البرجوازي، الى الخطر الكامن خلفها، وبين أن تحول البرجوازية الى اللاعقلانية يحمل في داخلها انعطافا حاسما في الدور الذي تلعبه هذة الطبقة، فالبرجوازية نادت بسلطة العقل أثناء نهوضها ضد الاقطاع، ووضعت جميع مؤسسات النظام الاقطاعي أمام محكمة العقل. لقد جعلت البرجوازية الأوروبية من نفسها برومثيوس العصور الحديثة، لأنها أخرجت العلم من عزلتة في بلاط الحكام والأمراء، لتستعملة في أحداث الثورة الصناعية التي قوضت مؤسسات العالم القديم بعد أن شهرت الحركة الفكرية التنويرية، الافلاس التاريخي لهذة المؤسسات وطالبت بتقويضها. لكن البرجوازية المنادية بالتحديث سرعان ما تنكرت للعقل بعد استلام السلطة، وبدأت تضع قيودها علي المفكرين والأدباء، وتبين عندئذ أن ملكوت العقل الذي تحدث عنة فلاسفة القرن الثامن عشر، كان على حد تعبير إنجلز “ملكوت البرجوازية المكسو بكسوة مثالية”.

و قد بين ماركس وإنجلز أن ما يحول بين العقل وملكوته في المجتمع هو استغلال الإنسان للإنسان، وأن شروط قيام عالم يحكمه العقل هو إلغاء الرأسمالية. ويوضح لوكاتش ان انتصار العقل أو هزيمته في مجتمع ما مرهون بالصراع الطبقي في ذلك المجتمع. “إن مهمة النفاذ الي بنية الواقع لا تواجهها حواجز نظرية فحسب بل وعملية أيضا، إن المجتمع والوضع الطبقي لمفكر يحدد القرار لصالح العقلانية أو اللاعقلانية. وأولئك الذين ينفرون من تبعدات معينة لعدم قدراتهم على تقبل الحقيقة سوف يميلون للاعتقاد بأن الفكر عاجز عامة. وبوجيز العبارة إن الصراع بين العقلانية واللاعقلانية يرتبط بالصراع الطبقي”.

ويلاحظ دائما أن الأفكار اللاعقلانية تسود بعد اخفاق الثورات، وعند هزيمة القوي التقدمية في أي مجتمع. فبعد انقلاب نابليون واسقاط الثورة الفرنسية البرجوازية، سارعت القوي الرجعية الي تصفية حسابها مع أيدولوجيا الأنوار العقلانية وأصدرت حكم  الإدانة على مشروع تنوير العقل.

وفي التاريخ العربي الحديث يمكن أن نلاحظ أن الاتجاهات العقلانية في الثقافة العربية جاءت متزامنة مع ظهور برجوازية وطنية تسعى ولو ببطء وهدوء نحو فك التبعية وكسر قيد الخضوع للرأسمالية الأوروبية والاستعمار.

نلاحظ أن هذة الظاهرة تتزامن مع ظهور كتابات طه حسين الداعية الي التحديث. مع محاولة طلعت حرب، مثلا لتأسيس أول بنك وطني مصري. وإذا نظرنا الى الخريطة الاجتماعية لمصر في مطلع القرن العشرين، نجد البرجوازية المصرية تتصدر الصراع المضاد للاستعمار ممثلة في الوفد. ولكن سرعان ما لجأت للحلول الوسط والى المهادنة مع الاقطاع وكبار الملاك الزراعيين. ومن هنا كان الطلاق بين الرأسمالية الوطنية ومثققيها، الذين حاولوا السير بالنهضة الفكرية الى المدى الأخير. لذا اصطدم طه حسين مع حزب الوفد. ولم يجد له نصيرا داخل البرلمان المصري. لم تجعل البرجوازية المصرية انتصار العقل وسيادة العقلانية هدفا من أهدافها. وحين حاول طه حسين أن يقيم سلطان العقل، سرعان ما تجاوزت دعوتة أسوار جامعة فؤاد الأول لتثير ضدة جميع الأطراف. وكما كان ديكارت “الاحتجاج القوي الصادر عن العقل المناضل ضد لاعقلانية عالم مريض”، فإن طه حسين، المتأثر بديكارت في منهجه الشكي، كان تجسيدا لقيم النهضة، كان تجسيدا لقيم النهضة الفكرية التي بدأت بأفكار الأفغاني ومحمد عبده ورفاعة الطهطاوي. كما كان متمردا علي أساليب التفكير الخرافي ومناهج التعليم آنذاك، وقد ناضل طة حسين بقوة من أجل التحرر من سلطان الماضي، وطالب بسيادة العقل في كل ما يكتب ويقال.

فهو يتحدث في كتابة الشعر الجاهلي قائلا: نحن بين إثنين: إما نقبل في الأدب وتاريخه ما قال القدماء .. وإما أن نضع علم المتقدمين كله موضع البحث”. ثم يخلص الى نتيجة أفزعت كل القوي التقليدية في المجتمع المصري: “الفرق بين المذهبين في البحث عظيم، فهو الفرق بين الإيمان الذي يبعث علي القلق والاضطراب وينتهي في كثير من الأحيان الى الانكار والجحود”.

وهذا الشك الديكارتي الذي أعلى طه حسين من قيمته هو خلفية تمجيد العقل، وهو المدخل ليس نحو تحديث الثقافة وحسب بل وتحديث المجتمع أيضا. كانت دعوة طه حسين الي سيادة العقل ضرورة هامة من أجل الدخول الي العصور الحديثة. وفي هذا الصدد يقول هيغل “بدء المعقولية العليا ودربها يتيح فرصة ومنطلقا لتحسين طرق التفكير والولوج الى طراز معرفة عالمية وهو المعبر الي الديالكتيك”.

وبقدر أهمية العقلانية ودورها في تحديث المجتمع العربي، كانت شدة ردود الفعل المناهضة لدعوة طه حسين. فهذا الشكل المنهجي البسيط في المطالبة بسيادة العقل في ميدان البحث المعرفي، لم تسمح به القوى التقليدية ولا استطاعت البرجوازية الصاعدة أن تدافع عنه. وانتهى الأمر الى محاكمة المؤلف ومصادرة الكتاب. إلا أن التيار الذي بدأه طه حسين أصبح تيارا  أساسيا في الثقافة العربية المعاصرة، ولكنة ساد في الأوساط الثقافية النخبوية، ولم يتجذر في البنية الاجتماعية المصرية. ويرجع الأمر الى الطريقة التي بدأت فيها الدعوة الى العقل فلم تظهر هذه الدعوة أثناء النضال ضد مؤسسات المجتمع التقليدي المتأخر. بل جاءت في ميدان البحث المعرفي، وعلى الرغم من انتشارها الى الحياة السياسية والاجتماعية إلا أنها لم تضرب بجذورها في الأرض المصرية. وعلى الرغم من بساطة هذا الشكل من العقلانية إلا أن القوى الرجعية تندد بطه حسين متى اتيح لها الفرصة. ففي الوقت الذي عادت الرجعية فيه بشكل رسمي توطد قوتها وتعلن عن نفسها في السبعينيات ووصولا الى حاضرنا لم تتوقف الرجعية عن نقد كل الرموز التنويرية وعلى رأسهم طه حسين. واتسع الهجوم ليشمل التيار العقلي في الثقافة العربية كله فهاجموا ابن رشد والفارابي وابن سينا. حتى وصل الأمر الى إنكار العلم برمته، من إنكار كروية الأرض وصولا لإنكار نظرية التطور. كل هذا يتناسب مع الرأسمالية المصرية التابعة للاحتكارات العالمية التي تكتفي بأعمال السمسرة.

ومع تشوه رأسماليتنا وتنكرها من مهامها في إنجاز التحديث والعقلنة، تبقى مسألة التنوير هي النقطة الأولى على جدول أعمال الحركة التقدمية في مصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons