غازي الصوراني

حول الثقافة ودور المثقف

كتب : غازي الصوراني*

الى أي مدى استجابت ومارست مجتمعاتنا العربية في تاريخها القديم والحديث والمعاصر، عملية الربط بين المعرفة والممارسة كشرط لتقدمها؟

الحقيقة انه باستثناء الومضات أو اللحظات العقلانية العربية في التاريخ العربي الاسلامي على يد المعتزله وابن رشد، والتي انقطعت منذ القرن الثالث عشر، استمرت حالة الانقطاع المعرفي عموماً حتى نهاية القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين، ثم انقطعت وعادت الى التواصل والتجدد في سيتينياته في الحقبة الناصرية التي انتهت بوفاة مؤسسها، وظلت الفرضيات الغيبية هي الحاكمة على صعيد الفكر العربي، بمثل ما استمرت المجتمعات العربية محكومة في تطورها الاقتصادي – الاجتماعي للنمط الريعي المركزي، والتجاري في التاريخ القديم، والى نظام التبعية والتخلف في التاريخ الحديث، بما أدى الى هذا الانفصام الممتد الى اليوم بين المعرفة والممارسة، والذي شكل عقبةً في وجه تفتح الرؤية العقلانية العربية وأبقاها أسيرة لمناخ التخلف ومظاهره، التي تتبدى في أن العقل السياسي العربي محكوم في ماضيه وحاضره – كما يقول الجابري بمحددات ثلاثة هي: القبيلة والغنيمة والعقيدة، أي بعلاقات سياسية معينة تتمثل في القبيلة، وفي نمط إنتاجي معين هو النمط الربوي، الذي يرمز إليه بالغنيمة (الدخل غير الإنتاجي)، وسيادة العقيدة الدينية، ويرى أنه لا سبيل الى تحقيق متطلبات النهضة والتقدم بغير نفي هذه المحددات الثلاثة نفياً تاريخياً وإحلال بدائل أخرى معاصرة لها.

ولهذا يقول محمود أمين العالم “إن قضية تجديد العقل السياسي العربي اليوم مطالبة بأن، تٌحَوَّل “القبيلة” في مجتمعنا الى تنظيم مدني سياسي اجتماعي، وتٌحَوَّل “الغنيمة” أو الاقتصاد الريعي الى اقتصاد إنتاجي، يمهد لقيام وحدة اقتصادية بين الأقطار العربية، كفيلة بإرساء الأساس الضروري لتنمية عربية مستقلة، وأخيراً تحويل العقيدة الى مجرد رأي، أي التحرر من سلطة عقل الطائفة والعقل الدوجمائي، دينياً كان أو علمانياً، وبالتالي التعامل بعقل اجتهادي نقدي، بما يفرض علينا إعادة النظر في بنية ومكونات الثقافة العربية، التي باتت كما يقول الجابري “في حاجة ماسة وملحة الى إعادة كتابة تاريخها، الذي ما زال مجرد تكرار واجترار لنفس “التاريخ” الذي كتبه أجدادنا “.

وفي كل الأحوال فإن “أي تحليل للفكر العربي الإسلامي، سواء كان من منظور بنيوي أو من منظور تاريخاني، سيظل ناقصاً وستكون نتائجه مضللة، إذا لم يأخذ في حسابه دور السياسة في توجيه هذا الفكر وتحديد مساره ومتعرجاته” ، وستظل أيضاً الأسئلة: “لماذا تأخر العرب وتقدم غيرهم؟ أو لماذا لم تتطور الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية العربية في “القرون الوسطى” إلى نظام رأسمالي؟ ولماذا لم تتمكن النهضة العربية في “القرون الوسطى” من شق طريقها نحو التقدم المطرد؟ هذه الأسئلة ستظل ناقصة ومحدودة الآفاق، ما لم تطرح على الصعيد الأبيستمولوجي (المعرفي)، أو ما لم تتجه مباشرة الى العقل العربي ذاته، ذلك أن “العرب والمسلمين” إنما بدأوا يتأخرون حينما بدأ العقل عندهم يقدم استقالته، حينما أخذوا يلتمسون المشروعية الدينية لهذه الاستقالة، في حين بدأ الأوروبيون يتقدمون حينما بدأ العقل عندهم يستيقظ ويسائل نفسه.

فالرأسمالية ثم الاشتراكية هما نتاج العقلانية والتنوير والحداثة وحرية الفرد أو المواطنة، وكلها قيم أو روافع أساسية لعصر النهضة في أوروبا، تراكمت تدريجياً منذ القرن الخامس عشر إلى القرن التاسع عشر، وصولاً إلى التحولات المذهلة في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين التي أدت إلى ولادة مرحلة العولمة الرأسمالية، لذلك فإنني لا أبالغ لو قلت أن من لا يتابع هذه المتغيرات سيكون مهدداً ليس في ثقافته فحسب بل في وجوده الاجتماعي وهويته القومية أو الوطنية، كما سيكون مهدداً في لغته أيضاً وأقصد بالتحديد ثقافتنا العربية التي ستتعرض للتراجع أو الاندحار طالما بقيت أحوال شعوبنا العربية على ما هي عليه من خضوع وتبعية وارتهان وتخلف في مقابل التطور الصاعد للتقدم التكنولوجي، والاقتصادي لنظام العولمة الرأسمالي الذي عزز وقدم كل عناصر ومستلزمات القوة لدولة العدو “الإسرائيلي” ارتباطاً بدورها ووظيفتها في بلادنا.

(من محاضرة حول الثقافة ودور المثقف، غازي الصوراني – منتدى الفكر الديمقراطي – غزة – 31/8/2008)

*كاتب وباحث فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons