جبل اثوس أو الجبل المقدس-اليونان

جبل اثوس يحتضن الماركسية وراهباً لبنانياً

كتب : وليد إلياس

جبل اثوس، او الجبل المقدس، لوحةُ رسمٍ أبدعت في الهواء الطلق، وقد فتح عالمه الروحي على القادة الماركسيين اليونانيّين.

فتح جبل اثوس أو الجبل المقدّس (شمال اليونان) عالمه الروحي على القادة الماركسيين اليونانيّين، مثل القائد الشيوعي الراحل خاريلوس فلوراكيس في العام 1995، والزعيم اليساري الحالي أليكسيس تسيبراس في العام 2014. حجّ الاثنان إلى حديقة السيدة العذراء، بالرغم من رفضهما أداء قسم اليمين الكنسي في البرلمان اليوناني. أدَّى ذلك إلى جدل حادّ بين منظّري الإلحاد من جهة، والمؤمنين بالمسيحية الأرثوذكسية من جهة ثانية، خصوصاً أنّ المؤسّستين الكنسيّة واليساريّة تستخدمان خطاباً مشتركاً يستند إلى الحجّة والمنطق والإقناع، كما أنَّ العديد من رجال الدين اليونانيين شاركوا في مقاومة الاحتلال النازي لليونان إبّان الحرب العالميّة الثانية التي كان رأس حربتها الحزب الشيوعي اليوناني.

أثناء استقباله تسيبراس، ذكّر ناسك دير القديس بولس بقول فلوراكيس: «أنتم تؤمنون بالخلاص في عالم آخر، ونحن نعتقد بأنّنا سندرك الخلاص في هذا العالم، إذن لدينا شيء مشترك». فردّ تسيبراس قائلاً، إنَّ «النظريات العالميّة تلتقي في التضامن والمساواة»، مضيفاً أنَّ «كل من لا يزور الجبل المقدّس يظلم نفسه، ولأنّنا لا نقبل بوجود مظلومين، جئنا إليكم».

الزائر المؤمن أو الزائر الفضولي غير المؤمن، تجمعهما الرغبة في استكشاف أسرار المنطقة النسكيّة التي كان أوّل نسّاكها القديس بولس الاثونيتي في القرن الثامن الميلادي. عاش الناسك وحيداً في الجبل طوال 53 عاماً من دون أن يلتقي بإنسان. وبعد وفاته، جذب توحّدُه النسكي وإيمانُه، العديدَ من النسّاك الذين حطّوا في الجبل قادمين من أرض فلسطين بعد الفتح الإسلامي.

وتبحر السفينة بالحجاج أو السياح من مرفأ بلدة اروانوبوليس (مدينة السماء) ـ وتقع في شبه جزيرة خالكذيكيس المشهورة برؤوسها أو نتوءاتها الثلاثة، وبسياحتها الكسموبوليتيه والدينية ـ نحو مرفأ الجبل دافني (ورقة الغار). ويراجع كل واحد من هؤلاء نفسه في الأسباب التي حدت به إلى الاقتراب من المجتمع المقدّس، ربّما بحثاً عن شيء لا يمتّ إلى الحياة الماديّة والاستهلاكية بصلّة. وفور وطوئه أرض جبل اثوس، ينكسر حاجز الرهبة والخوف من المجهول بعد دخوله قاعة الاستقبال، حيث يسمع الدعاء الرباني، ولا سيما بعد الضيافة المعهودة المتمثلة بالقهوة ومشروب الـ «راكي» أو الـ«تسيبروس» (العرق) وراحة الحلقوم.

قلاية الراهب اللبناني إسحق عطاالله

الجبل المقدس لوحة رسم أبدعت في الهواء الطلق، ترى أعلى قمة فيه على ارتفاع 2030 متراً، والغابات المكسوة بالأشجار الخضراء التي تعبرها طرق جبليّة ترابية، فيما الصخور الوعرة تتلاقى بمياه بحر ايجة الزرقاء، وتزينها الأديرة الـ20 المشيّدة في ربوعه، بالإضافة إلى العشرات من الاساقيط (جمع اسقيط)، وهو مكان يعيش فيه الرهبان، وما يناهز المئة من القلالي (جمع قلاية).

هناك قلاية القيامة حيث يرقد أوّل راهب لبناني لمع في النسك في الجبل المقدس إسحق عطاالله المولود في نابيه (المتن الشماليّ) في 12 أبريل/نيسان 1937. وقد أعاد بناءها بيديه في منطقة كَبْسالا (Kapsala) قرب عاصمة الجبل كارييس (Karyes). وهناك ترهّب في العام 1978 على أيدي ابيه الروحي، شيخ النساك الذائع الصيت بايسييوس، وعاش في القلاية وحده لأربع سنوات في تقشُّف شديد. وعُرف بشدّة نسكه وجهاده الروحيّ، فاشتُهر أباً روحيّاً في كل بلاد اليونان، وكان حازماً إزاء نفسه وإزاء أبنائه الروحيين. وكوْنَه الراهب الأنطاكيّ الوحيد، كان اللبنانيون والعرب يحجّون إلى قلايته من بطريركيات أنطاكيا وأورشليم والإسكندرية.

وبناءً على التقليد الرهبانيّ الآثوسيّ القاضي بأن يحفر الراهب قبره بيديه كي لا يبارحه ذِكْرُ الموت ما دام حياً، حفر الأب إسحق حفرةً بطول قامته في تراب الحديقة المجاورة لقلاّيته لتكون قبره. وكان كل يوم يبخّر القبر الذي ضمّ في النهاية رفاته بعد أن أسلم الروح مساء 16 يوليو/تموز 1998.

بستان السيدة العذراء محرّم على النساء

بحسب ما ورد في التقليد، فإنَّ الجبل هو بستان والدة الإله السيدة العذراء. ففي إحدى رحلاتها من اورشليم إلى روما، توقّفت السفينة بها مقابل الجبل، فأعجبت بجمال طبيعته الخلابة، وقالت إنَّ هذا الجبل سيكون بستاناً للعبادة وخلاص نفوس عديدة، لذا يحرم على النساء دخول الجبل. وانتهاك حرمته يعاقب عليه القانون بالسجن من سنة واحدة إلى سنتين، الأمر الذي أكسب الجبل شهرة مضافة، بعدما أثار حفيظة الاتحاد الأوروبي لما اعتبره شكلاً من أشكال التمييز ضدّ المرأة.

ويسمح للسيدات وللرجال بالدوران حول الجبل المقدّس بالباخرة، شرط عدم الاقتراب أكثر من 500 متر. مدة الرحلة ثلاث ساعات، وفي بعض الأحيان يصعد الرهبان القادمون من ميناء الجبل على متن الباخرة، حاملين زنار السيدة العذراء شفيعة المظلومين والمحرومين، ليباركوا الركاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Show Buttons
Hide Buttons